سيد محمد طنطاوي

185

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والحال أن بيوتهم ليست كما يزعمون ، وإنما الحق أنهم يريدون الفرار من ميدان القتال ، لضعف إيمانهم ، وجبن نفوسهم . روى أن بنى حارثة بعثوا أحدهم إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ليقول له : إن بيوتنا عورة ، وليست دار من دور الأنصار مثل دورنا ، ليس بيننا وبين غطفان أحد يردهم عنا ، فأذن لنا كي نرجع إلى دورنا ، فمنع ذرارينا ونساءنا . فأذن لهم صلَّى اللَّه عليه وسلم . فبلغ سعد بن معاذ ذلك فقال : يا رسول اللَّه ، لا تأذن لهم ، إنا واللَّه ما أصابنا وإياهم شدة إلا فعلوا ذلك . . فردهم . ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المنافقين جمعوا لأنفسهم كل نقيض ، فهم يسرعون إلى ما يؤذى المؤمنين ، ويبطئون عما ينفعهم ، فقال - تعالى - : * ( ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْها ، وما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً ) * . والضمير في قوله - تعالى - * ( دُخِلَتْ ) * للبيوت أو للمدينة . وفاعل الدخول من يدخل هذه البيوت أو المدينة من أهل الكفر والفساد . وأسند - سبحانه - الدخول إلى بيوتهم ، للإشعار بأن الأعداء يدخلونها وهم قابعون فيها . والأقطار : جمع قطر بمعنى الناحية والجانب والجهة . والمراد بالفتنة هنا ، الردة عن الإسلام أو قتال المسلمين . وقوله * ( لآتَوْها ) * قرأه الجمهور بالمد بمعنى لأعطوها . وقرأه نافع وابن كثير لأتوها بالقصر ، بمعنى لجاؤها وفعلوها والتلبث : الإبطاء والتأخر . والمعنى إن هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أن بيوتهم عورة ، هم كاذبون في زعمهم ، وهم أصحاب نيات خبيثة ، ونفوس عارية عن كل خير . والدليل على ذلك ، أن بيوتهم هذه التي يزعمون أنها عورة ، لو اقتحمها عليهم مقتحم من المشركين وهم قابعون فيها ، ثم طلب منهم أن ينضم إليهم في مقاتلة المسلمين ، لسارعوا إلى تلبية طلبه ، ولكانوا مطيعين له كل الطاعة ، وما تأخروا عن تلبية طلبه إلا لمدة قليلة ، يعدون العدة خلالها لقتالكم - أيها المسلمون - ، وللانسلاخ عن كل رابطة تربطكم بهم . لأن عقيدتهم واهنة ، ونفوسهم مريضة خائرة . قال صاحب الكشاف : قوله : * ( ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ ) * أي : المدينة . وقيل : بيوتهم . من قولك : دخلت على فلان داره * ( مِنْ أَقْطارِها ) * أي . من جوانبها . يريد : ولو دخلت هذه العساكر المتحزبة - التي يفرون منها - مدينتهم من نواحيها كلها وانثالت على أهاليهم